المقريزي
143
المقفى الكبير
ما سدّ حيّ ولا ميت مسدّهما * إلّا الخلائف من بعد النبيّين « 1 » فقال : ما صنعت شيئا ، إنّما زدت في حزني . فقال الفرزدق [ الطويل ] : لئن جزع الحجّاج ما من مصيبة * تكون لمحزون أجلّ وأوجعا من المصطفى والمصطفى من خيارهم * جناحيه لمّا فارقاه فودّعا أخ كان أغنى أيمن الأرض كلّه * وأغنى ابنه أهل العراقين أجمعا جناحا عقاب فارقاه كلاهما * ولو نزعا من غيره لتضعضعا « 2 » قال : الآن ! وكتب الحجّاج بعد وفاة أخيه محمد بن يوسف إلى الوليد بن عبد الملك : أخبر أمير المؤمنين أكرمه اللّه أنّه أصيب لمحمّد بن يوسف خمسون ومائة ألف دينار ، فإن يكن أصابها من حلّها فرحمه اللّه ، وإن تكن من خيانة فلا رحمه اللّه ! فكتب إليه الوليد : أمّا بعد ، فقد قرأ أمير المؤمنين كتابك فيما خلّف محمد بن يوسف ، وإنّما أصاب ذلك المال من تجارة أحللناها له ، فترحّم عليه رحمه اللّه . [ الحجّاج وجرير ] ولمّا دخل جرير بن الخطفى العراق أتى أبا يوسف الحكم بن أيّوب بن يحيى بن الحكم بن أبي عقيل الثقفيّ ، وهو على البصرة ، فكتب الحكم في ذلك إلى الحجّاج : إنّه قدم عليّ أعرابيّ باقعة لم أر مثله . فكتب إليه أن يحمله معه ، فلمّا دخل عليه قال : يا جرير ، بلغني أنّك ذو بديهة فقل في هذه الجارية - لجارية قائمة على رأسه - فقال جرير : ما لي أن أقول فيها حتّى أتأمّلها ، ومالي أن أتأمّل جارية الأمير . فقال : بلى . فتأمّلها وسألها وقال لها : ما اسمك يا جارية ؟ فأمسكت فقال الحجّاج : خبّريه يا لخناء . فقالت : أمامة . فقال جرير [ الكامل ] : ودّع أمامة حان منك رحيل * إنّ الوداع لمن تحبّ قليل مثل الكثيب تهايلت أعطافه * والريح تجبر متنه وتهيل هذي القلوب صواديا تيّمتها * وأرى الشفاء وما إليه سبيل « 3 » فقال الحجّاج : قد جعل اللّه لك السبيل إليها ، خذها ! هي لك . فضرب بيده إلى يدها فتمنّعت عليه ، فقال : إن كان طبّكم الدلال فإنّه * حسن دلالك يا أميم جميل فاستضحك الحجّاج ، وأمر بتجهيزها معه إلى اليمامة ، وكانت من أهل الريّ ، وكان إخوتها أحرارا ، فاتبعوه فأعطوه بها حتى بلغوا عشرين ألفا ، فلم يفعل . وقال الوليد بن عبد الملك للحجّاج في وفدة وفدها عليه : هل لك في الشراب ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، ليس بحرام ما أحللته ، ولكنّي أمنع أهل عملي منه ، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح ، وما أريد أن أخالفهم إلى ما أنهاهم عنه . فأعفاه . * * *
--> ( 1 ) هذان البيتان مفقودان من الديوان . ( 2 ) ديوان الفرزدق 494 ، مع اختلاف كثير . ( 3 ) ديوان جرير ، نشر الصاوي 472 .